بسم الله الرحمن الرحيم


ا
لحمد لله الذي بنعمته تـتم الصالحات، وهو الذي أوجب علينا الوصية في الحياة، وقبل الممات؛ لتكون ذخراً لنا، وتذكرة ونفعاً لمن بعدنا.

الحمد له وحده، فهو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، له المِنَّة والفضل، أحمده تعالى حمداً يليق بجوده وكرمه أن ملأ قلوب أوليائه بمحبته، واختصهم برحمته، وهيَّأهم لحمل أعباء دعوته، فجعل قلوبهم معتكفة على أبواب فضله، و أسكن أرواحهم الترياق و المدد شفاء لطلاّب رحمته وعدله.

والصلاة والسلام وأطيب التحيات على الحبيب المصطفى، منبع العلوم والأنوار، ومشرّع المعارف والأسرار، من تُـشغَف به القلوب، وتهـيم به الأرواح، من كانت حياته كلها وصايا لمن تدبر وعقل، وتعليماً وتوجيهاً لمن وعى وتأمّل... وعلى آله الغرّ الميامين الأطهار، وصحابته أجمعين ذوي الفضل والخير المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بالهدى والإحسان، وسلّم تسليماً كثيراً ما ضاءت الدنيا بنور النبي المختار.

وبعد:

أؤكد الحمد لمن يستحق الحمد على ما شرفني به من خدمة دينه، وحمل شريعته، وعلى ما أكرمني به من فضله وإحسانه.

وأقول:

إن الحياة معبر لا مقر، ولا أَجَل فيها يستـقر، ولمّا كان الأمر كذلك؛ فقد توجب على المسلم أن يتـزود خير الزاد، وأن يستعد ليوم المعاد، ومن زاده واستعداده وصيته، تلك الوصية التي ينبغي أن تـشمل في كلماتها وتحوي في معانيها ما يأخذ بأيدي الجميع من بعده إلى مرضاة المنعم المتـفضل سبحانه، وهي وجه من أوجه خلاص الذمة بين يديه سبحانه، قال الله تعالى مبيناً وجوب الوصية:

( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّـقِينَ).(1). وقال أيضاً:

( شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْـنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَـفَرَّقُوا فِيهِ ).(2)

وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئٍ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين (وفي رواية مسلم: يبيت ثلاث ليال) إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" (3).

والوصية تكون للغريب كما تكون للـقريب، وتكون بالمعنويات كما تكون بالماديات، فمن لم يصله مالك فليَصِله نصحك وعلمك، فمن عمل خيراً كان مثله في صحيفة الموصي بإذن الله تعالى، ومن عمل سوءاً من بعد ما بلغته الوصية فإثمه على نفسه.

أما ما يتعلق بي فقد لجأت إلى ربي فألهم روحي الخلوة، فاستخرته سبحانه في الوصية، فوفـقني وأجرى قلمي على خَطِّ هذه الوصية، وطوَّع لي الحروف والكلمات، ويسَّر لي الأمور، فأقمت نفسي لُجَّة العمل، ومضيت فيه حتى وقع في سرّي أن ما وُفِّقتُ إليه سيكون فيه البلسم والشفاء لكل من سلك طريقه بمشيئة الله تعالى.

ولأن المنايا توشك أن تسبق الوصايا؛ فقد حاولت من خلال هذه الوصية أن أحقق أمراً سنَّه سيدي وحبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "ومن مات على وصية على سبيل وسُنَّه، ومات على تـقى وشهادة، ومات مغفوراً له"(4).

وإنني -والفضل كله بيد الله- قد أوصيت في وصيتي هذه لكل صنف من أصناف المسلمين ومن ذوي القربى والمجالسة ومن بقية أبناء الأمة الذين هم إخواني في الدين، ولـقد استعنت الله واستهديته فأعانني وهداني إلى تـقسيم هذه الوصية إلى أبواب عدة، بدأتها بوصية وجهت بها نفسي وقلبي عملاً بما طلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ابدأ بنفسك...." (5)، وأردفت بعدها متوجهاً إلى الوارث الروحي لأنه أصل في استمرار مسيرة الدعوة، ثم وجّهت بعدها أولادي في عطف وحنان، ولم أنسَ أهلي وأقاربي، وبعدهم إخواني وأحبابي، وقد خصصت المريد منهم بوصية، ثم جعلت الوصية في عامة الأحباب، وأوصيت بعدها العالم الذي هو ملح الأرض وصلاحها، ثم خاطبت المجتمع بفئاته من خلال وصيتي إلى الغني والتاجر والمزارع وصاحب المصنع والفـقير والمسكين، ، ثم أتت بعد ذلك وصيتي لولاة الأمور من الملوك والرؤساء والأمراء وأصحاب السلطة، خالصة لله تعالى بما أملاه عليّ ديني وإيماني، ثم عممت وصيتي إلى كل مسلم ومسلمة، وخصصت في آخرها المرأة بحصة وافرة حيث خاطبتها أمّاً وزوجة وبنتاً وأختاً.

عركت عجينتي فأخرجتها مأكلاً شهيّاً، وقطفت حديقتي فأبرزتها ثمراً جنياً، وجعلتها في متـناول الأيدي مبيناً كيف ولماذا ومتى يتم النفع بها، وما ذاك إلا محض الحب والإخلاص لكل من تـقع بين يديه هذه الثمرات اليانعات -أعني وصيتي-، ثم أرجو بها مع ذلك القبول والرحمة، والمغفرة ورفعة الدرجة، راجياً ممن برأني وسَلَكَ فيَّ نور علومه أن أكون قد أديّت الأمانة كما أمرني سبحانه، ووفق ما أوصاني به نبيه المصطفى مهجة قلبي عليه الصلاة والسلام.

وإني لأرجو أن تكون هذه الوصية نبراساً يحتذى، يفيد منه من أراد أن ينفع المسلمين، حتى يمتد نور العلم والإيمان والمعرفة إلى كل الأجيال من بعدنا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، على أنني لم أدَّعِ الكمال فيما كتبت، فالكمال لله وحده، بيد أني بذلت ما أكرمني الله به، رجاء أن تكون كلماتي جامعة الفائدة، واضحة الشرح، غزيرة المعاني، وأن تكون هذه الوصية تذكرة لنفسي وسُنّة ماضية وصدقة جارية يستمر بها عملي في حياتي ويعد وفاتي.

بعد هذه المقدمة، أدعك أخي المسلم، كما أدعك أختي المسلمة، مع طيّات هذا الكتاب تـنهلان منه ما استودعته فيه من فيض ربّي، ومدد قلب حبيبي النبّي المصطفى صلى الله عليه وسلم، آملاً النفع لكما ولكل قارئ، طالباً الدعاء بالرحمة والمغفرة، وأن يتوجّ ربّي هذا كله بالقبول.

وأسأله تبارك وتعالى أن يجعل ما كتبته خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكتبنا جميعاً عنده من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا أهلاً للانتـفاع من الصالحين علماً وعملاً، حتى نلقى الله تعالى وهو راضٍ عنا، وتقرّ بنا عينُ نبينا صلى الله عليه وسلم، وعساه سبحانه أن يتوفانا مسلمين ويلحقنا بالصالحين، إنه سميع مجيب، وهو نعم المولى ونعم الحبيب.

وأصلّي وأسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

دمشق في 15 ذي الحجة 1413
 5 حزيران 1993
الشيخ رجب ديب

(1)     ( م: 2: البقرة_ الآية: 180).

(2)     ( ك: 42: الشورى_ الآية:13).

(3)   أخرجه الإمام أحمد في مسنده(8:2) والإمام مالك في ( الموطأ، 650،رقم 65، الأمر بالوصية)، واتفق عليه الشيخان ورواه الأربعة عن ابن عمر رضي الله عنهما. انظر (الجامع الصغير ، 425:2 ، رقم 7893)، و( الترغيب والترهيب 325:4 ، رقم 1، الترغيب في الوصية ).

(4)     أخرجه ابن ماجه عن جابر رضي الله عنه، انظر:( الترغيب والترهيب 326:4 ، رقم2 ، الترغيب في الوصية ).

(5)     أخرجه النسائي عن جابر رضي الله عنه، انظر:(الجامع الصغير ، 10:1 ، رقم 46)، وقال: حديث صحيح.